لسان الدين ابن الخطيب
105
الإحاطة في أخبار غرناطة
وإذ فات عيني أن تراهم فردّدوا * على مسمعي ذكر المصلّى وكرّروا وردت فيا طيب الورود بطيبة * صدرت فواحزني فلا كان مصدر رماني زماني بالفراق فغرّني * على مثل من فارقت عزّ التّصبّر وأضمرت أشجاني ودمعي مظهّر * وأسررت هجراني وحالي تخبّر فمن أدمعي ماء يفيض ويهمر * ومن أضلعي نار تفور وتسعر فجسمي مصفرّ وفودي أبيض * وعيشي مغبرّ ودمعي أحمر وحين دنا التّوديع ممّن أحبّه * وحان الذي ما زلت منه أحذّر ونادى صحابي بالرّحيل وأزمعوا * وسارت مطاياهم وظلت أقهقر وألوى إليه الجيد حتى وجعته * وظلّ فؤادي لوعة يتفطّر وقفت لأقضي زفرة وصبابة * ولا أنثني فالموت أجدى وأجدر ولو أنّني بعت الحياة بنظرة * لأبّت وحظّي فيه أوفى وأوفر وما باختياري إنما قدر جرى * رضيت بما يقضي الإله ويقدر حنيني إلى مغنى الجمال مواصل * وشوقي إلى معنى الجمال موفّر وغير جميل أن يرى عن جمالها * فؤادي صبورا والمسير ميسّر أيصبر ظمآن يغال بغلّة * وفي روضة الرّضوان شهد وكوثر ؟ فيا عينها الزّرقاء إنّ عيونها * من الحزن فيض بالنّجيع تفجّر سأقطع ليلي بالسّرى أو أزورها * وأحمي الكرى عينا لبعدك يظهر وأنضي المطايا أو أوافي ربعها * فتنجدني طورا وطورا تغوّر حظرت على نفسي الحذار من الرّدى * أتحذر نفس الحبيب تسيّر ؟ أينكر تغرير المشوق بنفسه * وقد علموا أنّ المحبّ مغرّر ؟ وقفت على فتوى المحبّين كلّهم * فلم أجد التّغرير في الوصل ينكر وإني إذا ما خطرة خطرت قضت * بهمّي وعزمي همّة لا تؤطّر أقيم فألفي بين عينيّ همّتي * وسيري في سبل العلا ليس ينكر إذا ما بدت للعين أعلام طيبة * ولاحت قباب كالكواكب تزهر وللقبّة الزّهراء سمك سما علا * وراق سنى كالشمس بل هو أزهر لها منظر قيد النّواظر والنّهى * لها ساكن من نوره البدر يبدر